مصر
  • 29℃ القاهرة, مصر

رئيس مجلس الإدارة

طارق لطفى

رئيس التحرير

أحمد سليمان

محمد الأبنودى

رئيس تحرير عقيدتي‏ في ‏دار الجمهورية للصحافة‏ عضو المجلس الاعلي للشئون الاسلامية بالقاهرة درس ‏اللغة العربية‏ في ‏جامعة الازهر‏  

الخط المفتوح 

بيت الزكاة المصري ..ترسيخ لقيم التكافل 

 

يُعَدّ بيت الزكاة والصدقات المصري أحد أهم الصروح الخيرية في مصر، وقد تأسس برعاية كريمة من فضيلة الإمام الأكبر أحمد الطيب شيخ الأزهر الشريف، ليكون ذراعًا تنموية وإنسانية تعكس روح الإسلام في التكافل والتراحم، وتترجم مقاصد الشريعة في حفظ كرامة الإنسان وصون حياته. وقد جاء إنشاء هذا الكيان استجابة لحاجة مجتمعية ملحّة لتنظيم أموال الزكاة والصدقات وتوجيهها توجيهًا رشيدًا إلى مستحقيها، بعيدًا عن العشوائية أو الازدواجية، وبمنهج مؤسسي يضمن الشفافية والاستدامة.
منذ انطلاقه، حرص بيت الزكاة والصدقات المصري على بناء منظومة عمل احترافية، تعتمد على قواعد بيانات دقيقة، وبحث اجتماعي ميداني، ولجان متخصصة تدرس الحالات بعناية، لضمان وصول الدعم إلى الفئات الأكثر احتياجًا. ولم يكن الهدف مجرد تقديم إعانة مالية مؤقتة، بل السعي إلى نقل الأسر من دائرة الاحتياج إلى دائرة الإنتاج، عبر مشروعات صغيرة، وبرامج تمكين اقتصادي، وتدريب مهني، بما يعزز قيم الاعتماد على النفس ويحفظ كرامة المستفيدين.
وقد لعب فضيلة الإمام الأكبر دورًا محوريًا في ترسيخ فلسفة البيت، مؤكدًا أن الزكاة ليست مجرد عبادة فردية، بل نظام اجتماعي متكامل يحقق العدالة والتوازن داخل المجتمع. ومن هذا المنطلق، جاء إشرافه المباشر ليمنح المؤسسة ثقلًا معنويًا وثقة مجتمعية واسعة، فالأزهر الشريف، بما يمثله من مرجعية دينية عالمية، يضفي على البيت مصداقية عالية، ويجعله محل اطمئنان المتبرعين في الداخل والخارج.
وفي مرحلة مهمة من مسيرته، تولت الدكتورة سحر نصر رئاسة مجلس أمناء بيت الزكاة والصدقات المصري، لتضيف بخبرتها الاقتصادية والتنموية بعدًا إداريًا جديدًا يعزز من كفاءة الأداء، ويواكب التحديات الاقتصادية التي تمر بها البلاد. وقد انعكس ذلك في تطوير آليات العمل، وتوسيع نطاق المشروعات، وتعظيم الاستفادة من الموارد المتاحة، بما يحقق أكبر أثر اجتماعي ممكن.
وفي لقاء جمعني ومجموعة من الزملاء الصحفيين اشارت د. سحر أن من أبرز أدوار بيت الزكاة رعاية البسطاء والفقراء والمحتاجين في مختلف محافظات الجمهورية. فقد أطلق برامج دعم شهرية للأسر الأولى بالرعاية، ووفّر مساعدات عاجلة للحالات الطارئة، وساهم في سداد ديون الغارمين  والغارمات، وفك كربهم، وإعادتهم إلى حياتهم الطبيعية. كما اهتم بتجهيز العرائس غير القادرات، وتوفير الأجهزة الطبية لغير المقتدرين، والمساهمة في إجراء العمليات الجراحية المكلفة، بما يعكس بُعدًا إنسانيًا عميقًا في رسالته.
وفي مواسم الخير، كرمضان والأعياد، يضاعف البيت جهوده، فيوزع كراتين المواد الغذائية، ولحوم الأضاحي، وكسوة العيد، ليصل الفرح إلى بيوت كانت تئن من ضيق الحال. وهذه المبادرات لا تقتصر على المدن الكبرى، بل تمتد إلى القرى والنجوع والمناطق الحدودية، حيث يكون الاحتياج أشد، والخدمات أقل.
أوضحت أيضا أنه لم يقتصر دور بيت الزكاة على الداخل المصري فحسب، بل امتد عطاؤه إلى خارج الحدود، خاصة في دعم الأشقاء في قطاع غزة. فقد كان للبيت حضور إنساني واضح في أوقات الأزمات، حيث ساهم في إرسال مساعدات غذائية وطبية عاجلة، دعمًا للأسر المتضررة، وتخفيفًا لمعاناتهم في ظل الظروف الصعبة التي يعيشونها. ويعكس هذا الدور البعد القومي والإسلامي للبيت، الذي لا ينفصل عن قضايا الأمة وآلامها.
كذلك دور بيت الزكاة دعم غزة فهو لم يكن مجرد موقف عاطفي، بل تحرك منظم ضمن جهود الدولة المصرية في إغاثة الأشقاء، وتأكيد التضامن الإنساني. وبهذا، يثبت بيت الزكاة أن العمل الخيري يمكن أن يكون جزءًا من منظومة أوسع للدبلوماسية الإنسانية، التي تعلي قيمة الإنسان أينما كان.
كما اهتم البيت بالبعد التعليمي، فقدم منحًا دراسية للطلاب غير القادرين، وساهم في سداد المصروفات الدراسية، ودعم طلاب الأزهر والجامعات، إيمانًا بأن التعليم هو الطريق الحقيقي للخروج من دائرة الفقر. فالاستثمار في الإنسان هو أسمى صور الزكاة، لأنه يفتح آفاق المستقبل، ويكسر حلقات العوز المتوارث.
إن التجربة التي يقدمها بيت الزكاة والصدقات المصري تؤكد أن مؤسساتنا الدينية قادرة على مواكبة العصر، والعمل بروح مؤسسية حديثة، دون أن تفقد أصالتها. فالجمع بين المرجعية الشرعية والخبرة الإدارية يمثل نموذجًا يُحتذى في إدارة العمل الخيري.
وفي ظل التحديات الاقتصادية العالمية، تزداد أهمية مثل هذه الكيانات التي تخفف العبء عن كاهل الدولة، وتسهم في تحقيق العدالة الاجتماعية، وترسيخ قيم التكافل التي دعا إليها الإسلام. ويبقى بيت الزكاة المصري، برئاسة شيخ الأزهر، وبجهود مجلس أمنائه، نموذجًا مضيئًا في خدمة الفقراء والمحتاجين، وصوتًا للرحمة في زمن تشتد فيه الحاجة إلى الرحمة، وجسرًا من العطاء يمتد من قلب مصر إلى كل موضع ألم، وفي مقدمة ذلك دعم أهلنا في غزة.
إنها رسالة إنسانية متكاملة، عنوانها: الزكاة حياة، والتكافل قوة، والرحمة طريق لبناء مجتمع أكثر عدلًا وأملاً.